
القصيدة على البحر الكامل
ثمالة الأمل
وهجُ القبابِ أمِ المصيرُ المُتعبُ
ذاكَ الَّذي لكِ شدِّني يا يثربُ
فأتيتُ أرفلُ في الشَّقاءِ يزفُّني
ما بين أشباحِ المتاهةِ موكِبُ
تتسكَّعُ الآهاتُ بين جوانحي
والأبجديةُ في دمائي تنحُبُ
وأجنّةُ الأحلامِ حين تهزُّها
نجواكَ يرعِشُ روحَها المتكهرِبُ
أتُرى النَّخيلُ اليثربيَّةُ لم تزلْ
تلك التي تلدُ الشموخَ وتُنجبُ
أم شكَّها سهمُ الزَّمانِ فأينعَتْ
جرحًا به المستضعفونَ تخضَّبوا
وأتوكِ من حيثُ الرُّجولةُ لم يزلْ
تأريخها بدمِ الكرامةِ يشخبُ
يتلمسونَ ثمالة الأمل الذي
كانت على يدهِ الجراحةُ تُخصِبُ
يا طيبةَ النصرِ المنوَّرِ ما لوى
أبطالَهُ عبر المجاهلِ غيهبُ
فإذا السَّماءُ تصبُّ في خلجاتِهم
حُلُم النُّبوَّةِ جامحًا يتلَهَّبُ
حتَّى إذا صقلوا تُرابَكِ وازدهَتْ
ممّا تناثرَ من سناه الأحقبُ
وقفوا على حدِّ الرِّماح منائرًا
تمتدُّ في اُفقِ الحياةِ فيُعشبُ
يا طيبةَ النَّصرِ الَّذي في شوطِهِ
أفنى فُتوتَهُ النِّضالُ الأشيبُ
وتنفَّسَتْ عبقَ الفتوحِ رسالةٌ
فيها تصاهرَتِ السَّماءُ ويعربُ
وافَتْكِ يرتجلُ الصلابةَ ساعدٌ
منها ويبتكرُ العزيمةَ منكبُ
ومُذ اقتحمتِ بها الحياةَ على خطا
طه يشدُّكِ للفلاحِ ويجذِبُ
شحذَ الفداءُ يراعَهُ بكِ وانبرى
يسقيه من حبرِ الخلودِ ويكتبُ
حتَّى إذا يومُ الإخاء تفصَّمتْ
حلقاتُهُ وسَطَتْ عليه العَقربُ
نسيَتْ جوامِحُكِ العتاقُ نفيرَها
وانهارَ في دمكِ الصَّهيلُ الأشهبُ
وبقيتِ للأجيالِ نبعَ صبابةٍ
ما عادَ كوثرُهُ يفورُ ويغضبُ
ورَنَتْ تطالعُكِ الدُّهورُ فراعَها
فَتحٌ بماضيكِ المجيدِ مُعلَّبُ
هرّبتهِ طيفًا بذاكرةِ المُنى
يزهو وهيهاتَ الفتوحُ تُهَرَّبُ
نَسَلَ الغبارُ عليه ألفَ قبيلةٍ
راحَتْ تنازعه البريقَ وتسلبُ
ويداكِ لا شمسٌ تغالبُ فيهما
عصفَ الشتاءِ الجاهليِّ فتغلبُ
مُدِّيهما نحوَ الوراءِ وسلسلي
يومَ الإخاء ولملمي ما يسكبُ
وتحصَّني أرواحنا بصفائه
يهتزّ نبضُ حياتنا المُتَخَشِّبُ
فسنصهرُ الاُفقَ البعيدَ على لظى
عزماتِنا حتَّى يذوبَ الكوكبُ
وسنكنسُ التَّاريخ ممَّا أسندَتْ
فيه الذِّئابُ وما رواهُ الثَّعلبُ
ونُقشِّر الحقَّ المُغَلَّف بالدُّجى
حتَّى يشعَّ لُبابُهُ المُتَلَهِّبُ
ونعودُ نفترعُ النُّجومَ وحسبنا
فيما نؤمِّلُ أنَّ متنَكِ مركبُ
جاسم الصحيح، شاعر سعودي







