العراقشعراء معاصروننجاح العرسان

يعقوب الحزن الأخير

نجاح العرسان

موقع معاصرون

 

 

يعقوب الحزن الأخير

إلى أخي يعقوب الذي أكلته الحرب

 

وقضى سرابُكَ أن كفَّكَ أنهرُ

وأمرُّ صمتِكَ أنَّ صوتَكَ سُكَّرُ

 

لا تقترحني للصباحات المؤجَّلة السُّطوعِ وعينُ شمسِكَ تَسهرُ

 

لا تنتظرْ عندَ انفلاتِ شفاهِنا

كي نلتقي في صرخةٍ تتصحَّرُ

 

ماذا سأشرح يا رحيل؟! وأيُّ معنًى غيرُ أشرعةٍ الضياعِ يفسَّرُ؟!

 

الموتُ حربين احتقرتُ إناءَهُ

والنَّهر يكفر ضفــــتينِ وتَغفرُ

 

حجرٌ ودائرةٌ تلاشَتْ تكسرُ

الأبعادِ وهو بصــــفوها يتكدَّرُ

 

 

كيف اتَّسعْتَ لضيقِهِ؟ ماذَا خلعْتَ

من اتساعِكَ فارتداكَ الأصـغرُ

 

يا يوسفَ الأشياءِ يا حزني الأخيرِ

بأيِّ ريحٍ من قميصك أبصـرُ؟!

 

حربين يصلبني السَّرابُ على الرِّمال

وكلُّ أدعـيةِ السَّرابِ تذمُّرُ

 

لا صوتَ غيرُ مساجدٍ منسيَّةٍ

ترتابُ في خمرِ الصَّلاةِ وتَسكرُ

 

لاشيءَ يلمع بين وجهك وانتظا

ري برزخ لا يبغـــــيان وأبحر ُ

 

لا شيءَ أيضًا يا صبايا الرِّيحِ يومئُ للمرافئِ لا شراعَ يبشِّــــرُ

 

لا شيءَ في شجرِ التَّوسُّلِ والمواسمِ غيرُ ما يصـــــــفرُّ أو يتكسَّر ُ

 

الموتُ أصبحَ نزهةً، كلُّ الصِّغارِ تنزَّهوا بين الثَّرى وتحـرَّروا

 

هل عدتَ أيضًا تختبي لتخيفني

وأقلُّ عيني دمـعةٌ لا تصبرُ

 

أين اختبأْتَ وخلفَ أيِّ غمامةٍ

ومتى على شجرِ انتظاريَ تَقطُرُ

 

دمنا قطيعٌ من فراشِ عابثٍ

في زرقةِ اللهبِ الشَّفيفِ مُغرَّرُ

 

كُنَّا صغارًا لا نضيعُ سويَّةً

الآن نلــعبُ بالضَّياعِ ونكبُر ُ

 

نرعى أنوثةَ قريةٍ ما آمنتْ

بالقمحِ يومًا والمنــــاجلُ تكفرُ

 

الليلُ يروي عن سذاجةِ خوفِها

والحوتُ والقمرُ الذي لا يحذَرُ

 

يعقوبُ أين بقيَّةُ الأسماءِ؟ كيف

تركْتَ طعمَ فراتِها يتغيَّرُ؟!

 

وتركتَ صحبَكَ يعـــــلقونَ بسمـــرتِي

فحديثُ وجهي أنَّ طعمَكَ أسمرُ

 

كـــنَّا صـــــغارًا لم يكــــنْ يعــــقوبُ ينسى أن يعودَ فلــــــم يعدْ يتذكَّرُ

 

نفضوا التُّرابَ وعـــلَّقوا أســـفَ العيـــونِ على خطاي ولــم أزلْ أتعفَّرُ

 

يا برتقاليَّ الرَّصـــاصِ لمنْ نمـوتُ وما تزالُ البرتقالةُ تُعصرُ

 

ركضت إليكَ بذورُها فوقفْتَ تركض بين ما تأبى ومن لا يُعذرُ

 

ما زالَ يلثـغُنا الوجــــــودُ ويســــتريحُ فكيـفَ ثـقَّفَ مقلتيهِ المَنظرُ

 

كيف استمــــالَ الغيـــمُ زرقتَـنا إليه وكيفَ صــــدَّقهُ الرَّبيع المُقفرُ

 

وحدي انفرطْتُ على طفولةِ عيــنِهِ

من خيطِ مسبحةِ الَّذين تبعثروا

 

وحدي تثرثرني الخُطا فوقَ الرَّصيفِ

ولم تزلْ شفةُ الرصيفِ تثرثرُ

 

قمر الظهيرةِ ربَّما شمسُ المساءِ

وأيُّ حائرةِ الكــــــلامِ تُعبِّرُ

 

لفَّ احمرارَ الشَّـمسِ فـــــي أهدابهِ

صلَّتهُ عيني والغروبُ مبكِّر ُ

 

نبـت الظَّلامُ على ربيعِ نهارهِ

واختار شرفتَهُ السَّوادُ الأخضرُ

 

رمضانُ وجهِكَ صامَ كلَّ قصائدي

لم يدر أنَّ الحـزنَ إثمٌ يُفطرُ

 

الدَّمع عـيدُكَ كلَّ عـــــامٍ أيـُّها

الحزنُ السَّعيدُ وأنتَ خدُّكَ مِنبرُ

 

وأبوكَ قد نضجَتْ عصاه على الطَّريقِ

إلى سمائِكَ والمســــــافةُ تَقصرُ

 

كيف انطفأْتَ وأنـتَ آخرُ عينِهِ

اللهُ يبذرُ والحُروبُ تبذِّرُ

 

وتركتَ مرآةً لوجهك في الجدارِ

وعين أمِّــــكَ فوقَها تـــــــتعثَّرُ

 

عينٌ إذا همسَتْ أكفُّ الرِّيحِ خــــلفَ

البابِ تنفضُ دمعــــــتينِ وتنظرُ

 

تُبقي عشـــــاءَكَ كلَّ يـــومِ في الإناءِ

فقد تعـــودُ ودائمًـا تـــــتأخَّرُ

 

أفهلْ كبرتَ على حليبِ حـــــــنينِها

وبأيِّ صدرٍ يا رضيعُ تفــــــكِّرُ

 

هلا عطفْتَ على مسيـــــحِ عيونِها

للآن في خشبِ الدُّموعِ مسمَّرُ

 

ومواسمٌ خرساءُ تشرحُ للــــــهراءِ

وجوهَنـــا فلأيِّ زيـــفٍ نثمرُ

 

نحن انـــتظارُ نهــــايةٍ لا تنـــــتهي

وعلى ارتدادِ مسارها نتكرَّرُ

 

وشتاءُ وجهي يعزفُ الغيمَ الجريحَ

وكلَّما غنَّيــــتُ ذكرَكَ يمطِر ُ

 

هل من جديدٍ في خريفِ بقــــــائِنا

غيرُ الشُّعورِ بأنَّنــــا لا نشعُرُ

 

هل من جديدٍ ياعراقَ الدَّمــع غيرُ يدٍ تصفَّحها الغمـامُ المدبرُ

 

من أينَ هذا النخلُ جاءَ أكنت تدفنُ بالثَّرى أبنــــاءَنَا أم تبذرُ؟!

 

نجاح العرسان، شاعر عراقي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى