
قبل الشجرة بظل
لا أقرأُ الرملَ لكنْ أكتبُ الشَّجَرَةْ
بنتَ الغمامةِ، أُمَّ الزَّهرةِ النَّضِرَةْ
كانتْ هُنالِكَ، في الصَّحراءِ،شاخِصةً
تَبكِي، كأنَّ نَبيًّا وحْيُهُ هَجَرَهْ
تَبكي ومَرَّ يتيمٌ، مَرَّ، فالتَفَتَتْ
فكلُّ نظرةِ حبٍّ أَنْبَتَتْ ثَمَرَةْ
كانَتْ كعادتِها الخضراءِ مؤمنةً
أنَّ الجمالَ جَديرٌ بالذي نَظَرَهْ
وأنَّ غُصنًا تَوكَّأنا عليهِ عَصًا
منذُ الفراعينِ يستعصي على السحرة
وأنَّ طيرًا صغيرًا ليسَ حاشيةً
في آخِرِ السَّطرِ، قد يَنساهُ مَنْ سَطَرَهْ
ظِلالُها لَمْ تَزَلْ – للآنَ- ساجِدةً
وكلُّ غُصنٍ تدلَّى يقرأُ “البَقَرَةْ”
لعلَّ آخرَ عصفورٍ أَلَمَّ بِها
في رِحْلةِ الطَّيرِ، يتلو السِّيرَةَ العَطِرَةْ
مكثتُ غيرَ بعيدٍ عن دَمي ودَمي
رهنٌ لطلقةِ موتٍ –بَعْدُ- مُدَّخَرَةْ
يا سارقَ الماءِ مِنْ خَفْقِ اليمامِ،أنا
عصفورُكَ الآنَ في الأُسطورةِ الوَعِرَةْ
خُذْ ريشةَ الشِّعرِ، واكْتُبْنِي على عَجَلٍ
لم يبقَ في العمرِ ما يكفي لِأَخْتَصِرَهْ
وخُذْ بياضَ جناحي عاطرًا بِدَمِي
يبكي لِأُمٍّ وراءَ البابِ مُنْتَظِرَةْ
كانتْ بلادي تَجْفُوني وأعشقُها
وكنتُ أجملَ مهزومٍ لِمنتصرةْ
أَجْريتُ أعظمَ نهرٍ في الحنين لها
هل تمنعُ الماءَ عن كَفيَّ مُنْتَهِرةْ؟
والقلبُ كالغصنِ بعد الريحِ عاصفةً
قد يسألُ الله غفرانًا لِمَن كَسَرَهْ
مازلتُ أنْقُشُ أيَّامي على حَجَرٍ
أصابعٌ تلكَ، أَمْ أسمائي العَشَرَةْ؟
لا مجدَ في السبقِ ما مِن موجةٍ سبقتْ
إلا وقد وصلتْ للشَّـــطِّ مُـنْكَسـرَةْ
ننسى لكي يكبرَ النسيانُ مبتعدا
عنْ لفتةِ القلبِ للحبِّ الذي عبرَهْ
البيتُ ذو الشُّرفاتِ الخُضْرِ، ،ثرثرةُ
الجيرانِ، والرَّكضُ خلفَ القِطَّةِ النَّمِرَةْ
طعمُ الشتاءِ ودفءُ الشاي، رائحةُ
النَّعناعِ، خشخشةُ الـمذياعِ ،والمطرةْ
ننسى رؤى البئرِ نَنْساها وتَذْكرنا
بالماءِ، والماءُ، يَروي ذِكْرَ مَنْ حَفَرَهْ
ننسى البذورَ التي لمْ تنْس غارسها
إلا لِتَنهضَ في شكرانِهِ خَضِرَةْ
ننسى، لنصبحَ صيادينَ، لا ندمٌ
والموت كالموت يَدْوِي قادحًا شَرَرَهْ
الصوتُ في الموتِ، والأصداءُ باقية
لا تُنْصِفُ الحُلْمَ في اليُتمِ الذي قَهَرَهْ
يبكي التَّلاميذُ في الدَّرسِ الأخــيرِ كما
في حِصَّةِ “النَّحوِ” تبكي -وحدَها- “النَّكِرَةْ”
يبكون حَتَّى يطولَ النَّخلُ، ما ســألوا
عَـــنْ أيِّ ذـنبٍ دمـوعُ العيـنِ مُعـْتذِرَةْ
في القلبِ “حَصَّالةُ” الذِّكرَى، وقد ثَقَبُوا
قلبي الصَّغيرَ، فلا شيءٌ لأدَّكِرَهْ؟
سَهْوًا مشينا، كَأنَّا حافيانِ على
بحرِ البسيطِ، بلا تفعيلةٍ خَطِرَةْ
هل يشبهُ البيتُ مَن يَبنيهِ يا ولدي؟
أجلْ، ويذكرُ يا أُمَّاهُ مَن ذَكَرَهْ
أشاعرٌ أنتَ؟ لا يا أمُّ ،لي حُلُمٌ
لا أُمْسِكُ الحُلْمَ، في كفي، ولا أَذَرَهْ
مُنذُ “المُنَخَّلِ” قُلنا ألفَ مُبتدأ
وما وجدنا لهُ في جملةٍ خَبَرَه
ذهبتُ والشعرَ للوادي الذي زعموا
فما وجدتُ سوى جنِّية ضجرةْ
ألقيتُ رملَ كلامي في جراحِ دمي
فكلُّ جرحٍ جميلٍ صاغ لي دررَهْ
ياليتَني”دو، ري، مي، فا صو لا سي”شهقتْ
في عود “زِريابَ” مَسَّتْ رِيشةٌ وَتَرَهْ
يا أُمُّ ،يا أُمُّ، لي عشرونَ قرطبةً
قد أطفأتنا رحيلًا وهْيَ مزدَهِرةْ
وطارَدَتْنا فلا نَخطو إلى بلدٍ
إلا وتَرهَقُنا مِن بُعْدِها قَتَرَةْ
كانتْ تقصُّ حكاياتِ الغيابِ كما
تُلقي يدُ الطفلِ في بحرِ الأسى حَجَرَهْ
لو كنتَ عازفَ عُوْدٍ، لَا تضِفْ وَتَرًا
للعُودِ، في وطنٍ يَغتالُ مَنْ عَمَرَهْ
في العُوْدِ حالةُ حبٍّ، لستُ أَعْرِفُها
كُنْهًا، وأعزِفُها بالحزنِ مُعْتَصَرَةْ
فاعزفْ لتعرفَ سرَّ القلبِ يا ولدي
ضمائرُ النَّاسِ -يا بنَ النَّاسِ- مُسْتَتِرَةْ
قالتْ كأُمٍّ سلامًا: كان لي ولدٌ
أمومتي أغنياتٌ صاحبتْ سهَرَهْ
يا حاملاتِ جِرارِ الماءِ، لِي ولدٌ
يَظْمَا، ولا ماءَ في كفِّي لأَبْتَدِرَهْ
هل قصَّرَتْ سنواتُ التِّيهِ قامَتَهُ
حُزنًا، وما قصَّرَتْ عَنْ أُمِّهِ سَفَرَهْ
يا صائدَ الطَّيرِ، هل لامستَ جانِحَهُ
ففيهِ كلُّ جراحِ الأرضِ مُخْتَصَرَةْ
هذا هو العمرُ إلَّا ليلةً، فأنا
ليلٌ أراقُوهُ حَتَّى استنزفُوا قَمَرَهْ
لي سبعمائةُ عامٍ في البكاءِ هنا
لعلَّ شَوْقَ حَفيدٍ يَقْتَفِي أَثَرَهْ
فَمنْ سيقرعُ ناقوسَ الغيابِ لنا
والروحُ حاضرةٌ والروحُ مُحتَضَرةْ
يا قلبَ أُمِّكَ يا قرآنَ دمعتِها
كأنَّها أُمَّةٌ قد رتَّلتْ سورَهْ
سحرُ “ابنِ زيدون” باقٍ في تَمِيمَتِهِ
ودمعةُ ابنِ زريقٍ خلَّدتْ قدرَهْ
“ودَّعْتُهُ، وبِوُدِّي لو يُودِّعُني
صفوُ الحياةِ” وتبقى هذهِ الشجرةْ
ودعت أحلامَ بغدادي، وقاهرتي
فأيُّ حلمٍ تبقَّى ليْ لأدَّخِره
كما يقولُ دمشقيٌّ أريقَ دمي
في لفظتينِ هما: الإيثارُ والأثَرَةْ
تركتُ رُوحيَ، تَبْكي فِي “مُنَمْنَمَةٍ”
مَنْسِيَّةٍ، في جدارٍ، أَشتري صُوَرَهْ
يبكي “ابن عَبَّاد” في “أغمات” منتظرًا
سِفْرَ “ابنِ خلدونَ” يُملي بَعْدَنا “عِبَرَهْ”
مَعي عُيوني، ودَمْعي، تلكَ أَنْدَلُسِي
مَنْ لَمْ يَجِدْ دَمْعَهُ، فَلْيَتَّهِمْ بَصَرَهْ
أحمد بخيت، شاعر مصري
قصائد أخرى للشاعر:
-
رام الله








