
وطن وطفل رؤى
وَجُلُّ مَا فِي دَمِي مِنْ شَاعِرٍ طُمِرَا
يَا عُودُ دَنْدِنْ فَإِنِّي نَاقِصٌ وَتَرَا
خُذْ رِيشَةً مِنْ جَنَاحِ الصَّبْرِ.. خُذْ وَطَنِي
فَإِنَّهُ طَائِرٌ مَا انْفَكَّ مُصْطَبِرَا
فِي الصَّدْرِ أَحْمِلُ أَشْجَارًا تَمُدُّ يَدًا
مَا أَسْقَطَتْنِي وَلَكِنْ غُصْنُهَا انْكَسَرَا
بَقِيتُ فِي الظِّلِّ ظِلِّ الشَّمْسِ تَحْتَ يَدِي
فَاثَّاقَلَتْ تَعَبًا وَاسَّاقَطَتْ حَجَرَا
رَأْسِي ..وَيَحْمِلُ فِي كَفَّيْهِ جُلَّ دَمِي
قَدْ صَاحَ بِي أَلَمًا …لَا تَصْعَدِ الشَّجَرَا
مِنْ يَوْمِهَا عَبَثَتْ بِالْحَرْفِ إِصْبَعُهُ
مَا قُلْتُ مُبْتَدَأً إِلَّا بَدَا خَبَرَا
وَخَبَّأَ الصُّوَرَ الْحُبْلَى بِطِفْلِ رُؤًى
أَقَامَ فِي ظُلُمَاتِ الرَّحِمِ مُنْكَسِرَا
يَمَصُّ فِي غُرْبَةِ الأَيَّامِ إِصْبَعَهُ
وَيَحْتَسِيهَا شَرَابًا مُسْكِرًا وَقِرَى
يَبْكِي وَيَضْحَكُ مِثْلَ النَّايِ تَعْزِفُهُ
رِيحُ الصَّبَا مَطَرًا مِنْ أَعْيُنِ الْفُقَرَا
وَكُلَّمَا مَدَّ نَحْوَ الصُّبْحِ قَافِيَةً
تَقَطَّرَ اللَّيْلُ فِي الإِيقَاعِ وَانْهَمَرَا
وَأَوْجَعَ الْغَيْمُ عِنْدَ السَّفْحِ رُؤْيَتَهُ
إِذْ إِنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِي الْمُنْتَهَى قَمَرَا
حَتَّى تَسَرَّبَ مِنْ عَيْنَيْهِ لَيْلُهُمَا
وَنَامَ يَسْتَلْهِمُ الأَحْلَامَ وَالصُّوَرَا
وَعَادَ مَا فِي دَمِي حَيْرَانَ يَسْأَلُنِي
عَنْ غُرْبَةٍ أَدْمَنَتْ فِي غُرْبَتِي السَّفَرَا
صَارَتْ مَوَاوِيلَ مَعْشُوقٍ وَعَاشِقَةٍ
فِي مَوْطِنٍ مُنْذُ غَابَ الْحُبُّ لَيْسَ يَرَى
مُيَتَّمٌ مِثْلَ طِفْلٍ كَانَ وَالِدُهُ ….
وَأُمُّهُ لَمْ تَعُدْ ..مَا انْفَكَّ مُنْتَظِرَا
حَاكُوا قَمِيصًا لَهُ …أَلْقَتْهُ أَلْفُ يَدٍ
لَكِنَّهُ مَا رَأَى…. بَلْ حُزْنُهُ كَبُرَا
هَزُّوا جَمِيعَ جُذُوعِ النَّارِ وَاحْتَطَبُوا
فَاسَّاقَطَ الْمَوْتُ مِنْ أَشْجَارِهِمْ مَطَرَا
حَتَّى الْبِحَارُ أَطَلَّ الْحُوتُ مِنْ فَمِهَا
لِيَبْلَعَ الصُّبْحَ إِنْ فِي وَجْهِهِ سَفَرَا
يَقْطِينَةُ الشَّطِّ أَوْرَاقٌ مُمَزَّقَةٌ
وَالرَّمْلُ يَسْرِقُ مِنْ أَحْلَامِهَا الثَّمَرَا
هَلْ خَبَّأَ الْغَيْبُ فِي الأَقْدَارِ مِنْ قَبَسٍ
يَا مَوْطِنًا مِثْلَ جُرْحِي فِي دَمِي طُمِرَا
لَا شِعْرَ يَعْزِفُ لَحْنَ الْجُرْحِ فِي وَطَنِي
يَا عُودُ دَنْدِنْ فَإِنِّي نَاقِصٌ وَتَرَا
محمود موزة، شاعر سوري









